أحمد بن محمود السيواسي
292
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
بقوله « أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » « 1 » ليسأل الأنبياء عليهم السّلام « 2 » عن تبليغ الرسالة وصدقهم فيها إثباتا للحجة على الكفار ، قوله ( وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ ) عطف على « أَخَذْنا » بطريق الالتفات من « اعتدنا » أو على من دل عليه ليسأل الصادقين ، أي فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين ( عَذاباً أَلِيماً ) [ 8 ] أي مؤلما . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 9 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) ثم أخبر عمن نقض العهد فأهلك به عبرة للمؤمنين ومنة عليهم بقوله ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ) في الدفع عنكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق ( إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ ) هم أحزاب من قريش ومن تبعهم من غيرهم كبني قريظة وبني النضير اللذين عاهدوا النبي عليه السّلام على أن لا يكونوا عليه ولا معه ، فنقضوا عهودهم فجاؤوا إلى المدينة لقتال النبي عليه السّلام مع قريش وغيرهم ، وهم كانوا عشرة آلاف ، نزلوا قريبا من الغابة والنبي عليه السّلام في ثلاثة آلاف ، فخندق النبي عليه السّلام حول المدينة خندقا برأي سلمان يحول بين المسلمين والكافرين فأحصر المؤمنون بضع عشرة ليالي ، وقيل : عشرين « 3 » ( فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً ) ليلا وهي ريح الصبا فأطفأت نيرانهم وأكفأت قدورهم ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور » « 4 » ( وَجُنُوداً ) أي وأرسلنا جنودا وهم ألف ملك ( لَمْ تَرَوْها ) فكبرت الملائكة في جانب عسكرهم وقلعت أوتاد خيامهم ، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب وماجت الخيل بعضها في بعض ، فقال طلحة بن خويلد : أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجا النجا ، أي السرعة السرعة « 5 » من سحر محمد فارتحلوا ليلا منهزمين من غير قتال « 6 » ( وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ) [ 9 ] أي عالما بأعمالكم يوم الخندق حين خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين وضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم ، وأمر بالذراري والنساء في الحصون ، واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن ، وظهر النفاق من المنافقين بقولهم كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ونحن لا نقدر أن نذهب إلى الغائط . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 10 ] إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) قوله ( إِذْ جاؤُكُمْ ) بدل من « إذ جاءتكم » أو عامله مقدر ، أي اذكر إذ جاء بنو غطفان ( مِنْ فَوْقِكُمْ ) أي من أعلى الوادي من قبل المشرق ( وَ ) جاء ( مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ) أي من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش تحزبوا ، وقالوا سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمدا ( وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ ) أي مالت وتحيرت خوفا لكثرة العدد والعدد ( وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ) جمع حنجرة ، وهي منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب ، وهو تمثيل لشدة الخوف ( وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ) [ 10 ] بالألف وصلا ووقفا على إشباع الفتحة ، وبحذف الألف على ترك الإشباع وهو القياس ، وبحذفها وصلا على الأصل وإثباتها وقفا إشباعا « 7 » ، والمعنى : أنكم أيها المؤمنون ظننتم ظنونا مختلفة ، إذ المؤمنون باللسان أي المنافقون ظنوا أن المسلمين يستأصلون وظن المخلصون أنهم يبتلون وينصرون . [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 11 ] هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً ( 11 ) ( هُنالِكَ ) أي ثمة ( ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ ) الذين هم ثبتوا « 8 » القلوب والأقدام في الإيمان ( وَزُلْزِلُوا ) أي حركوا
--> ( 1 ) الأعراف ( 7 ) ، 172 . ( 2 ) عليهم السّلام ، وي : - ح . ( 3 ) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها . ( 4 ) رواه مسلم ، الاستسقاء ، 17 ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 3 / 41 ؛ والبغوي ، 4 / 436 ؛ والكشاف ، 5 / 36 . ( 5 ) السرعة ، و : - ح ي . ( 6 ) هذا مأخوذ عن الكشاف ، 5 / 36 . ( 7 ) « الظنونا » : قرأ المدنيان والشامي وشعبة باثبات ألف بعد النون وصلا ووقفا ، وحمزة والبصريان بحذف الألف في الحالين ، والباقون بحذفها وصلا وإثباتها وقفا وهم المكي والكسائي وحفص وخلف في اختياره . البدور الزاهرة ، 254 . ( 8 ) ثبتوا ، ح : ثبت ، وي .